مجموعة مؤلفين
48
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
للجواب على هذا السؤال حول مكافحة الفقر والدعوة إلى الزهد ، لا بد أن نلاحظ أن للفقر معاني مختلفة ، وللغنى معاني مختلفة أيضا . ولذلك نحن نقول : الفقر الممدوح والفقر المذموم ، ونقول الغنى الممدوح والغنى المذموم . فالشارع الحكيم لا يستنكر الفقر ويحاول مكافحته إلا عندما يكون هذا الفقر سببا لقلة الدين والخروج عن مرضاة اللّه تعالى . لذلك كان الفقير المتعفف الصابر ممدوحا ، ومفصلا على غيره . وكذلك فإن الشارع الأقدس لم يستنكر الغنى ويحاول مكافحته ، إلا عندما يكون هذا الغنى لغير اللّه ، أما إذا استخدمه صاحبه لطاعة اللّه كان ممدوحا . وعليه فان معيار التفضيل في الاسلام هو في مدى ارتباط الانسان باللهّ ، سواء كان في حالة اليسر أو في حالة العسر . وما الغنى والفقر إلا شكلان من أشكال الامتحان الإلهي للانسان ، ليظهر مدى توجهه إلى اللّه وارتباطه به . وعلى هذا النحو فإننا لا نرى أن معنى الزهد الذي دعا إليه النبي ( ص ) والإمام ( ع ) هو الخلّو من متاع الدنيا ومادياتها ، وانما هو أن لا يرى الانسان لتلك المتع أي قيمة في نظره إذا ما قورنت بطاعة اللّه تعالى ، فيستخدمها لخدمة اللّه وارضائه . فإذا هو خرج من عبودية المادة إلى عبودية اللّه كان زاهدا حقيقيا ، ولو كان يملك الدنيا بأسرها . وعلى العكس من ذلك ، إذا كان المرء فقيرا وكانت نفسه متعلقة بالدنيا ، لم يكن فقره ليدل على أي معنى من معاني الزهد . أما الغنى الحقيقي فهو ليس غنى المال ، انما هو اليقين باللهّ . فالمؤمن يستمد غناه الحقيقي من اللّه ، ويتوثق ذلك الغنى كلما ازداد يقينه باللهّ . وتبدو النوازع التي تسيطر على نفس الانسان وفق اتجاهين : نوازع تدفعه نحو اللّه ، ونوازع تدفعه نحو المادة والشهوات . وبقدر تحرر الانسان من ربقة الشهوات وتوجهه إلى اللّه يصبح غنيا . لأنه عند ذلك يستغني عن كل شيء في الوجود ما خلا خالق الوجود . وعندها تصبح كل الأشياء في نظره حقيرة أمام اللّه تعالى . يقول الإمام علي ( ع ) : « إنّ من حق من عظم جلال اللّه سبحانه في نفسه ، وجلّ موضعه من قلبه ، أن يصغر عنده كلّ ما سواه . وإن أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللّه عليه ، ولطف إحسانه اليه . فإنه لم تعظم نعمة اللّه على أحد إلا ازداد حق اللّه عليه عظما » ( الخطبة 214 نهج ) وفي هذا المعنى أروي لكم القصة التالية :